تُعد دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول الرائدة في بناء منظومة تشريعية متطورة تقوم على تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات الفردية من جهة، وصون النظام العام والقيم المجتمعية والأمن الاجتماعي من جهة أخرى. وقد حرص المشرع الإماراتي على تطوير القوانين الجزائية بصورة مستمرة لمواكبة المتغيرات الاجتماعية والتقنية والاقتصادية، بما يضمن حماية المجتمع من مختلف صور الجرائم التي قد تمس استقراره أو تؤثر على سلامة أفراده. وفي هذا الإطار، يولي القانون الإماراتي اهتمامًا خاصًا بالأفعال التي تنطوي على التحريض أو التسهيل أو الاستغلال المرتبط بالأفعال المنافية للآداب العامة أو المخالفة للنظام العام، سواء ارتُكبت بصورة مباشرة أو من خلال الوسائل التقليدية أو عبر التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية.
وتنبع أهمية هذه التشريعات من كونها تستهدف حماية الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية للمجتمع، والحفاظ على الأمن المجتمعي، والتصدي لأي سلوكيات قد تؤدي إلى استغلال الأشخاص أو الإضرار بالقيم التي يقوم عليها المجتمع الإماراتي. كما أن المشرع الإماراتي لا يقتصر في معالجته لهذه الأفعال على معاقبة مرتكبيها فحسب، بل يمتد ليشمل صور التحريض والترويج والتنسيق والتسهيل والاستغلال التي قد تسبق وقوع الجريمة أو تساعد على انتشارها أو تشجع عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع التطور الكبير في وسائل الاتصال الحديثة وانتشار منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية والمواقع الإلكترونية، ظهرت أشكال جديدة من الممارسات التي قد تتضمن التحريض على أفعال مخالفة للقانون أو تسهيل ارتكابها أو الترويج لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولهذا جاءت التشريعات الإماراتية لتشمل الجرائم التي ترتكب عبر الوسائل الإلكترونية، وتمنح الجهات المختصة الصلاحيات اللازمة لملاحقة المخالفات الرقمية التي تمس النظام العام أو الآداب العامة أو تستغل التقنية في ارتكاب أفعال مجرّمة قانونًا. كما تعكس هذه التشريعات حرص الدولة على مواكبة التطورات التقنية المتسارعة والتحديات التي قد تنشأ عنها في البيئة الرقمية.
وتضطلع العديد من الجهات الرقابية والتنفيذية والقضائية في دولة الإمارات بدور محوري في مكافحة هذه الجرائم والتصدي لها وفق الأطر القانونية المعتمدة. ويأتي في مقدمة هذه الجهات النيابات العامة، والمحاكم المختصة، والقيادات العامة للشرطة، والجهات المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى الجهات التنظيمية والرقابية التي تتابع المحتوى المنشور عبر الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية بما يضمن التزامه بالقوانين واللوائح المعمول بها في الدولة. كما تتكامل أدوار هذه الجهات في إطار منظومة مؤسسية تهدف إلى تعزيز الأمن القانوني وحماية المجتمع من السلوكيات المخالفة.
وتعمل الجهات المختصة بصورة مستمرة على رصد السلوكيات المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبيها، مع الالتزام الكامل بضمانات العدالة وحقوق الدفاع وسرية التحقيقات واحترام الإجراءات القانونية المقررة. ويعكس هذا النهج حرص دولة الإمارات على ترسيخ سيادة القانون وتعزيز الثقة بالمنظومة العدلية، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق الفردية، ويؤكد التزام الدولة بتطبيق القانون وفق أعلى معايير النزاهة والعدالة والشفافية.
وتختلف المسؤولية الجنائية والعقوبات القانونية بحسب طبيعة الأفعال المرتكبة والظروف المحيطة بها ومدى توافر عناصر الجريمة والأدلة القانونية اللازمة لإثباتها. كما تخضع كل واقعة للتقييم القانوني المستقل وفقًا للوقائع الخاصة بها والنصوص التشريعية النافذة وقت ارتكابها، وهو ما يؤكد أهمية عدم إصدار أحكام مسبقة أو الاعتماد على المعلومات غير القانونية أو غير الموثوقة المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المنصات الإلكترونية المختلفة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الحصول على الاستشارة القانونية المتخصصة عند التعامل مع القضايا الجزائية والجنائية ذات الصلة بالتحريض أو التسهيل أو الجرائم المرتبطة بالأفعال المنافية للآداب أو الجرائم الإلكترونية، حيث يسهم المحامي أو المستشار القانوني في توضيح المركز القانوني للأطراف وشرح الإجراءات القانونية والحقوق والالتزامات المترتبة على كل حالة، بما يساعد على اتخاذ القرارات القانونية السليمة وفق أحكام القانون.
وتواصل دولة الإمارات تطوير منظومتها التشريعية والرقابية بما يتوافق مع أفضل الممارسات القانونية العالمية، مع المحافظة على خصوصية المجتمع الإماراتي وقيمه وهويته الوطنية. ويؤكد ذلك الدور المتكامل الذي تؤديه الجهات القضائية والرقابية والأمنية في حماية المجتمع، ومكافحة الجرائم المستحدثة، وتعزيز الأمن القانوني، وترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون، بما يجعل الإمارات نموذجًا متقدمًا في بناء دولة المؤسسات والقانون وتحقيق التنمية المستدامة في بيئة آمنة ومستقرة، ويعزز من مكانتها كدولة رائدة في تطبيق القانون وحماية المجتمع ومواكبة التطورات التشريعية الحديثة.
Comments are closed